لستَ رقماً

عدة مستويات لتقديم الخدمة النفسيّة

السؤال الدائم التكرار الذي يواجهه كل من يسعى لطلب مساعدة نفسيّة هو (إلى أيّ طبيب أذهب) أو (هل هناك عيادات تقدم النصح لحالتي هذه؟) (توجهت لطبيب أمراض عصبية و وصف لي دواء لكنّي لم أتحسن) والكثير من التساؤلات و الحيرة.

لكن أقسى ما يمكن وصفه أن يتوجه البعض لبعض مشاهير منصّات الإعلام الاجتماعي (السوشلميديا) ممن يقدّمون أنفسهم كمعالجين نفسيين أو خبراء بعلم نفس الطفل وعلم العلاقات الزوجيّة والأسرة.

يحزنني بأنّ هناك من استدان مبلغاً مالياً يساوي ست أضعاف مرتبه الشهري بالعملة الأجنبية ليحجز استشارة تربوية أو نفسية لطفله عند إحدى المشاهير على منصّة فيسبوك، ظنّاً منه أن هذا الشخص مؤهل لحلّ مشكلات طفله في استشارة لا تتجاوز العشر دقائق. وكأنّ مبلغ 700$ ضمان حقيقي لصحة الاستشارة بالتالي هي الحل الناجع.

لذا أقدّم لك بكل وضوح وأمانه عدّة تعريفات للتمييز بين الاختصاصي النفسي، المعالج النفسي، الطبيب النفسي عن غيره من دجالي المنصّات الاجتماعية. ممّن يقومون بترجمة أعمال غيرهم دون التنويه لأنها مترجمة؛ بل وينسبنها لأنفسهم ليقنعوا الآخرين بأنهم أكفاء لدرجة تستحق معها بأن تستدين لتدفع ثمن استشارة كل ما ستحصل عليه من  بعدها  بعض كلمات التشجيع.

تعريفات للتمييز بين الاختصاصي  النفسي، المعالج النفسي، الطبيب النفسي

أوّلاً : الاختصاصي النفسي

هو شخص أكاديمي حاصل على إجازة في علم النفس. بواسطة دراسته تطرق لدراسة علم النفسي العام والأمراض النفسية، علم الأعصاب والعمليات الفيزيولوجية، علم النفس الاجتماعي والتربوي ومشكلات التعلم وغيرها من أساسيات علم النفس فيما يتعلق بالشخصية والسلوك والصحة النفسية …الخ بالإضافة لطرائق البحث النفسي وإجراء جلسات الإرشاد والتوجيه النفسي الفردية والجماعية.

أما عن مهامه فهو يُعتبر الخط الأول في تقديم الخدمة النفسية بواسطة الاستماع والتفسير والتحويل. تحويل أي إرسال المستفيد إمّا لمعالج نفسي أو طبيب نفسي حسب شدة الحالة ومتطلباتها.

إذاً الاختصاصي النفسي كمهمّة أساسية يقيّم الحالة ويقوم بالتدخل النفسي الأولي بواسطة جلسات منتظمة محددة الهدف ومن ثم التحويل ومتابعة الخطة العلاجية للمريض.

ثم أنّه لا يمتلك حقّ وصف أدوية نفسية.

ثانياً : المعالج النفسي

بعد أن يتخرج الاختصاصي النفسي من كلّية علم النفس يتقدّم لدراسة الماجستير باختصاص علم النفس السريري وعلم الأعصاب.

ما أن ينهي الماجستير يختص لمدّة تتراوح بين الثلاث سنوات إلى الخمس سنوات في مشفى الأمراض العقلية والعصبية. بعد انتهاء مدّة الاختصاص يحقّ له مزاولة مهنة العلاج النفسي سواء في عيادته الخاصة أو في المشافي. حيث يقوم بتشخيص الحالة وإعداد خطة علاجية مناسبة للحالة ومتابعتها من طريق جلسات منظمة. لكن لا يسمح له بوصف الأدوية النفسية. فإن احتاجت الحالة لتدخل دوائي يقوم بتحويلها لطبيب نفسي بالتوازي مع متابعة خطة العلاج النفسي.

ثالثا : الطبيب النفسي

هو خريج كلّية الطب البشري مختص في الأمراض العقلية والعصبية يعالج الأمراض العقلية النفسية بالأدوية.

يتابع العلاج الدوائي من ناحية عصبية وأعراض جسدية فقط.

لا يقوم بجلسات العلاج النفسي أو حتى جلسات التفريغ النفسي، يستمع للشكوى ويشخّص المرض ويتابع الخطة العلاجية الدوائية فقط.

لذا نسمع من الكثيرين بأنّهم نالهم الإحباط في مقابلة الطبيب النفسي حيث لم يتسن لهم شرح مخاوفهم أو مشاعرهم، أو كانت معاينة لا تتجاوز العشر دقائق في بعض الأحيان.

لكن السؤال هنا، هل يكفي أن أستعين باختصاصي نفسي فقط؟ أو هل زيارة الطبيب النفسي كافية؟

في الفقرة التالية أوضح آليه الوصول لأقصى استفادة من مقدمي الرعاية النفسية.

كيف أختار الخدمة النفسية الصحيحة؟

في بادئ الأمر وعند وضوح أعراض الشدّة النفسية يسعى الإنسان لطلب المساعدة. قد يلجأ إلى صديق، للعائلة أو للحبيب والشريك. في درجات خفيفة من الشدّة النفسية يتمكّن مجتمع الأهل والأصدقاء من المساعدة. لكن إذا ما استمرت الأعراض عليك التوجه لأول اختصاصي أو معالج نفسي فكلاهما سيقومان بجلسات الاستماع والتقبّل وتفسير المشاعر والأعراض. لكن هناك حد لا يستطيع الاختصاصي تجاوزه وهو تصميم برنامج علاجي فعّال قد يستمر لسنوات.

حيث أنّ علاج الاكتئاب مثلا يحتاج لبرنامج سلوكي معرفي لمدة سنة على الأقل بالإضافة للتدخل الدوائي في حالات الاكتئاب الحاد ونوبات الهوس المرافقة لمرض ثنائي القطب.

يمكن للاختصاصي النفسي متابعة البرنامج العلاجي للمريض مع إشراف من المعالج النفسي.

مع الأسف، في الدول العربية ليس هناك معالجين نفسيين، باستثناء بعض الحالات القليلة. لكن في الغالب لا يوجد معالج بل اختصاصي نفسي.

لذا، لا تر في الغالب سوا عيادات الأطباء النفسين والكثير من الصفحات على إنستگرام وفيسبوك تدّعي بأنّها بوابات اتصال بمعالج نفسي متمكّن، وهي تكذب.

في بعض الدول، كسوريا مثلا بسبب وضع ثورة الشعب السوري وما لاقاه من ويلات القصف و النزوح، تلقّى العديد من الاختصاصيّين النفسيّين تدريبات مكثّفة من منظّمات عالمية مهتمة بالصحة النفسية والإسعافات النفسية الأولية أدت إلى امتلاك هؤلاء الاختصاصيّين النفسيّين بعض التقنيات العلاجية التي ساعدت العديد من الناس.

لكنّها تبقى حلول إسعافية لحدٍ ما، إن لم تترافق مع إشراف طبيب مختص.

إذاً ما الحل؟

الحل في التوجه لأقرب مركز دعم نفسي، إن وجد، أو أقرب طبيب نفسي. بدوره الطبيب سيقيّم حالتك. فإن وصف لك الأدوية فاعلم أنك بحاجة لها فالأدوية لا تعالج الحزن بل الخلل الكيماوي الناجم عنه أو المسبّب له. عليك أيضاً بالتوازي مع العلاج الدوائي التوجه للاختصاصيّين النفسيّين المتواجدين في المدرسة، في المراكز الاجتماعية، أو المستشفيات. سيستمعن إلى شكواك ويمدنك بطرق تساعدك على استيعاب مشكلتك وتقبلها و المواظبة على العلاج. هذا بغضّ النظر عن التشجيع ومحاولة مساعدتك لرؤية مشكلاتك بطريقة جديدة مختلفة علّك تجد طريقك الخاص للخروج من شدتك النفسيّة.

دور الاختصاصيّين النفسيّين دور عميق وكبير وإنساني أيضاً لا يمكن تجاهله أو التقليل منه، فهم الخطّ الأول للإحاطة بالمرض أو الشدّة النفسية ووضعها على الطريق الصحيح للعلاج.

بواسطة الاستماع والتقبّل وعكس سمات المشاعر وتحليل المواقف يتمكّن الاختصاصي النفسي من فعل تقدمٍ كبيرٍ وتطورٍ إيجابيٍّ في مجرى العلاج، كما أنّه يشرف على تنفيذ الخطة العلاجية.

خاتمة

لا تقع في فخِّ صفحات المواقع الاجتماعية. عليك أن تختار لنفسك الأفضل وليس الأكثر شهرة. والمنصّة الاجتماعية ليست في موقع ملامة أو اتّهام هنا، غير أنّ النصّابين يحترفون استعمالها بسبب سهولة الوصول إلى عدد كبير من الناس فيها على الدوام.

إن العمل في المجال النفسي عمل محفوف بالشدّة، ليس سهلاً على أي اختصاصي أن يقدم العون لأيّ أحدٍ بجلسة واحدة حتّى لو كانت تتطلّب منك عمل شهور لتأمين ثمنها. الأغلى ثمناً لا تعني أنها الأكثر نفعاً.

ابحث جيّداً في خلفيه هذا الاختصاصي وماهيّة المدرسة النفسية التي يعتمدها لتقديم هذه الخدمة النفسية.

وتأكد أن هناك فرق شاسع بين صانع محتوى نفسي، سواء مقروء أو مرئي، وبين المعالج أو المختصّ النفسي.

إذ ليس من السهل علينا استلام الكثير من الحالات ومتابعتها. إنها علاقة علاجية حرجة تكاد تكون من أخطر العلاقات العلاجية على المعالج والمتعالج على حدٍ سواء. لما فيها من التواصل الإنساني على مستوى الأفكار والعواطف والسلوكيّات. حيث أنّ المعالج أو الاختصاصي بشر مثلك يؤثّر ويتأثّر أيضاً.

أنت لست رقماً عند الأخصائي أو المعالج النفسي  تذكر هذا جيداً

من تأليف هبة الله الزير

.أخصائية نفسية . داعمة لقضايا المرأة والطفل , ناشطة اجتماعية و مدوِّنة مهتمة بدراسة التداعيات النفسية الحالية في بيئة منصات التواصل الاجتماعي و استقراء ما ستكون عليه التفاعلات النفسية الإجتماعية في ظل الذكاء الصنعي و بيئة الميتافيرس في المستقبل القريب.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: